.. طفلة النّور ..

 

 
 
 
 


منذُ الطفولة الأولى , شاء الله أن أكون وحيدة ة ة إلا منّي , رضعت دلال الأرض من جدتي , تلك العجوز التي تخطّت الثمانين عاماً بِمراحل عِدّة , وغلّفتُ بِانسانية أبي, وقلب أمّي, كنتُ آنها لا أجيد سوى الطيران بِأجنحةٍ من حلم , أحيل العالم بساطاً أخضر أمارس الركض عليه حدّ التعب , كانت جدّتي تصنع منّي كلّ شيء جميل , طفلة صغيرة بجديلتين تارة , وأنثى لذيذة بشفاه حمراء, بدأتُ الدراسة بسنٍّ صغير في المنزل , كان والدي يمارس استذكار الحروف الهجائية التي كنت لا أتقن سوى اللثغ بها وجداول الضرب منذ بداية عامي الخامس , والتحقت بالمدرسة متقدّمة على قريناتي في عامي السادس , في المرحلة الابتدائية , أجدت الرسم بالألوان وأتقنت الخط العربي و التعبير والإنشاد , حفظتُ سبعة أجزاء من القران وشاركت بمسابقة لتحفيظ القرآن وفزت فيها بدرع يحمل اسمي وتقدير ممتاز , وكان يوم حفل التكريم نقطة فاصلة في حياتي , فقد ماااااتت جدّتي , وفتح موتها لي أبواباً متفرّقة , لم أتخيّل أنّي سأخوضها بأيّ حال كان , أكملتُ حياتي لكن عكس ما بدأت, شقاوة الطفولة انطفأت , وحان وقت العقل في غير أوانه !, المرحلة المتوسطة الأشّد هدوءاً وطمأنينة, بدأ فيها ميلاد حلمٍ مستقبلي جديد بِأن أكون مذيعة ولا زال يكبر فيَّ , كما ظهر تميّزي عن صديقاتي بالكتابة المتطورة والأشعال اليدوية والرسم, وبدأت المرحلة الثانوية التي غيّرت مسرى حياتي, فأصبحت أنا وصديقاتٍ لي داعيات, نمارس الدعوة والمحاضرات الدينية عبر منبر المصلّى الداخلي بالمدرسة أو عبر المراكز الصيفية , وولد في ذلك الوقت حلم آخر تزامن مع فوزي في مسابقة لكتابة التحقيق الصحفي أن أكون يوماً ما صحافية مهمّة في الدولة ولا زال يتنامى بقلبي حتى اللحظة, وكان الانعطاف الأكثر حدّة عندما قرّرت دراسة التمريض في الكلية الصحية فرفض والدي وأضربت عاماً عن الدراسة , ذلك العام هو النقلة الأخيرة ة ة لي ولازلت أحياها للآن, بدأت الكتابة في الشبكة العنكبوتية وكنت أجهل بها كلّ شيء حتّى أصبحتُ الآن أمتلك مفاتيحها دون معلّم سواي , حظنت عليّ كثيراً , ولم أكن راضية عني , فالحلم الأكبر الذي لم تحدد ملامحه بعد , معطل , وانا أجلس أمام الشاشة أمارس طقوسي يومياً دون اكالٍ للدراسة , وبعد أن حدّدت مصيري بين دراسة الاعلام او اللغة العربية الأقرب له , حاولت المستحيل لأجل دراسة الاعلام بلا جدوى فالقسم موجود في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة وخوف أهلي عليّ منعهم من القبول , فدرستُ اللغة العربية بجامعة أم القرى, اثر هذا نشأت بذرة الكتابة ع الشبكة من جديد , وأخذت طابعاً يتّسم بالنضج بعد خلع قناع مسمّى "الأمل المفقود" الاسم الذي جعلني موجودة بعد ذلك بِميّادة كلّها دفعة واحدة , وانتهاء عام من الاختباء , في الشبكة واجهت الكثير من الألم , الكثير من المجاملات , والكثييييير من النصائح التي أسفرت عن ميلاد ديواني الأول " وأتوه في رجل شرقي " !, عندما أمسكت به أوّل مرّة , لم أستطع التصديق , كيف لهذا العصي أن يكون بين يدي بعد عامٍ من التعب , احتضنته بشدّة , وخفت عليه من الناس , أن لا يتقبّلوه قبولاً حسناً وقد أفنيت 9 أشهر من الجهد والخيبات والاحباطات المتوالية حتّى خلقته من العدم , تخصّصت في البلاغة والنقد / في الوقت الذي حان فيه ميلاد قسم الاعلام بالجامعة , فبدأ الهاجس يتشكل على هيئة كابوس يراودني عن فكري على هيئة أسئلة , هل أركل عاماً ونصف في اللغة العربية لأجل الاعلام ؟, حتّى كان قراري حاسماً نقلني للقسم الذي ولله الحمد غدوت به مميزة ذات صمت عالٍ جدّاً وخبرة لا بأس بها اكتسبتها ما بعد طباعة الديوان , ولازال شريط الذاكرة يعبر الآن محمّلاً بصورٍ لا يسع الحروف حملها / ايصالها بكلمات مهما حاولت , ولا زالت الأحلام تشتعل .

 

العرّابة : ميّادة زعزوع :")