لستُ بخير , لأنّ هناك أناساً يسكنون الأرض سوى أبي !
علاقتي بأبي , علاقة يستحيل لي وصفها , ذلك الرجل الذي بلغ ما يتجاوز الستين من العمر ,وبدأ يشيخ قبل أوانه , وبدأ البياض يكسو رأسه كما كسا قلبه قبلاً , وأخذت أسنانه بِـالتساقط كما المطر , حتّى بقي منهم ثلاثةٌ على ظلّ لثّة , جبهته مستحيلة الاستواء , تسكنها نتوءات الكبر خطوطاً أفقية تهديه الوقار !, جسمهُ , أخذ بالذبول , وجماله الفاتن بدأ بالانطفاء , لم يبقى من أبي , سوى عينيه الغارقة في العسل , كماهي !, ابتلعته الأدوية قبل استمراره في ابتلاعها , داهمته أنواع الفيروسات المقيتة المسماة بـ"مرض" ولم يبقى منه سوى الذي وصفته !, أوه نسيتُ أن أُخبركم أنّه يملك قدماً يمنى مكسورة , ومرارةً متروسة بالحصوات , ودماً معبّأً بالسكّر .
عدا ذلك من الداخل , بقي قلبه خفّاقاً بالطيبة , ملبّياً نداءات الناس , لا يسكن فيه أحد سواي , حتّى أمي التي أويقن أنّه يحبّها جداً , لا أشعر أنها تسكنه مثلي ! ورغم أنّ قلبه ضعيف ,وغزته أدوات دخيلة عدّة مرّات لإجراء جراحات تنقذ حياته من الخطر .
لا أخفيكم أنّني أشعر بالضجر من ثقل السمع الذي أصابه مؤخراً ومن كثرة متابعته للقناة الأولى ,وقنوات الأخبار ,ومن كثرة تصديقه للإعلانات التجارية الطبية ,ومن روائح وصفاته الشعبية ,ومن خوفه الذي يكبر كل يوم عليّ , ومن تطبيقه لنظام وزارة الداخلية بعد تقاعده داخل بيتنا الصغير الذي لا يعبئه سوانا أنا وهو وأمّي لكنّي لا أستطيع الاستغناء عن كلّ ذلك مقابل أن لا يكون موجوداً في الحياة !
كـ الأشياء التي ندرك مدى أهمّيتها وقت فقدها ,لا أدرك مدى تقصيري اتجاهه إلا حينما يعلّق بين سماء وأرض على سرير أبيض يشبه روحه ولا أستطيع أن أؤمن أنه يشبه الكفن , لأن الكفن يشي بموت والبياض حياة أوّل ما أتذكره أنّي وصلت إلى هذا المستوى ولم أصل وحدي , بل كان يأزني أزاً دون أن يعلم , فأنا ابنته الوحيدة , وعليّ لكي أرضيه أن يرفع بي رأسه عالياً لأنّ قطعة من روح كـ هو تستحق أن تزهر جنائن نجاح ,لا زلت أذكر كيف كان يسهر معي الفترة الماضية لأتمّ امتحاناتي , وكيف كان يغلّفني بأنواع الدلال لكي لا يتقلب مزاجي العكر , فأهجر مذكراتي !
وحده يعلم أكثر منّي عمق الفجوة الفكرية بيننا , ولا يرضى بها , فيحاول مرة أن يتعلم فن النكتة لنضحك معاً , ويحاول مرة أن يقرأ كتاباً في الشعر لنناقشه معاً , ويحاول مرة أن يشعرني باهماله فأسبغ عليه بما في قلبي ويغدو أقرب ,ويقصّ عليّ حكايا الصبا في غياب أمي دون تحفّظ ,يحفظ أسراري الصغيرات ويهبني حقلاً أخضر من أسراره لنركض به معاً ..وياااااااااااااااه, لن أنسى دمعته المكتومة عندما تقدّم عريس لخطبتي أوّل مرة , وقال له : هذه وحيدتي , أنا أحبها ! بكلّ براءة وكأنك أطهر طفل كبير على هذه الأرض , بذاك الصوت الجهور الذي يكتم بكاءه , ويبتسم عنوة خوفاً من عدم رضا العريس لأنّ لديه قناعة بـ"أوّل سومه ذهب" . لا أحد يعلم علاقتي به لأنّي أعدّها سرّاً كبيراً بيننا لكن لا بأس بفضّه , لأنني أجدها سببا في أن أذبح صمتاً إذا مسّه الضرّ , يكفيني منه أنه على قيد حبّ ابنته أنا يحيا وأحيا بحبه .